لقد تقلب الفكر البشري دائماً بين قطبين: القطب العقلي، والقطب الأخلاقي.
إن فكرنا متعطش إلى الوحدة. وهو، بشكل غريزي، وفي كل مكان، وعلى الدوام، يتوخى الواحد وراء المتعدد، والمؤتلف وراء المختلف، والدائم وراء الزائل. إنه يحلل ما يعرض له من أشياء وأحداث: لأنه يتقصى العناصر المكونة لها، وطريقة اجتماع هذه العناصر في الوقت نفسه. ويُجري المقارنات: لأنه يتلمس النماذج الدائمة وراء الأشياء، والنواميس وراء الأحداث. وكيما يربط بعضها ببعض، يبني مذاهب فكرية واسعة حول المادة، والقوى المؤثر فيها، وأصل الموجودات الأولى ومصيرها النهائي. ويسعى إلى إدخال كل ظاهرة جديدة ضمن ما صنع من أطر ذهنية. فإذا لم ينجح، فإنه يُبدل هذه الأطر نفسها، ويُقوّم مبادئه، ويبتدع غيرها، ويصنع لنفسه عند اللزوم عقلاً جديداً.
ولكن لا ينحصر همنا في ذلك فقط. إننا نعيش في مجتمعات، إلا أن الجماعة البشرية لا يسعها البقاء إلا ضمن بعض الشروط. ولا يسعها الازدهار إذا لم يتقيد الأفراد بهذه الشروط تقيداً دقيقاً. فكيف تدوم الجماعة إذا لم يكن أفرادها مستعدين لاحترام بعضهم بعضاً، وللتعاضد على الأقل حتى حدّ معيّن؟ فالأفراد الذين يتناحرون ويتشاتمون ويتخاتلون في استمرار، لا يشكلون رهطاً اجتماعياً ثابتاً. إذ لا بد لهم، في سبيل تشكيله، أن يكفوا عن إرضاء بعض أهوائهم، وأن يضعوا لأنفسهم حداً، وأن يكرموا أنفسهم على التقيد بنظام انضباطي. كل مجتمع إذن من مصلحته أن يُقنع أفراده، منذ الطفولة، بأن عليهم واجبات احترام وتعاون مطلقة إزاء الآخرين، وأن هؤلاء الآخرين لهم حقوق مقابلة. فمن يمتثل لواجباته يكن من أهل الجدارة، ومَن لم يمتثل فليس من أهلها. ويؤدي ذلك إلى الثواب أو العقاب. فلا وجود لمجتمع راسخ، بل لا وجود لمجتمع قابل للحياة، إذا لم يكن معظم أفراده متعلقين بالواجب. فبغير هذا التعلق، يتصدع المجتمع وينحل. لذلك يبذل كل مجتمع جهده لصيانته وتنميته.
تاريخ النشر: 11/07/2017
الناشر: عويدات للنشر والطباعة
النوع: ورقي غلاف عادي
ترجمة، تحقيق: نهاد الرضا
لغة: عربي
طبعة: 1
حجم: 24×17
عدد الصفحات: 432
مجلدات: 1
التقييمات والآراء
كن أول من يقيِّم هذا المنتج!